مؤسسة المستقبل... لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا
أرحب بكم جميعاً في هذا اللقاء الهام مع الشكر لمعالي وزير التنمية السياسية المهندس موسى المعايطة على رعايته الكريمة لهذا اللقاء، مقدرين لمعاليه دعمه المتواصل لمؤسستنا في توجهاتها الرامية الى ترسيخ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لقد حظي موضوع المساءلة والمحاسبة والشفافية في الدولة و القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية بإهتمام كبير خلال الآونة الأخيرة. ويجد هذا الإهتمام ترجمته في تعدد المنظمات المحلية والدولية الحكومية وغير الحكومية العاملة في هذا المجال، وتتالي الندوات والمؤتمرات الدولية والإقليمية وكذلك الدراسات والتقارير المخصصة لهذا الموضوع.
وقد إحتل إصلاح مؤسسات الدولة وجعلها أكثر كفاءة ومساءلة وشفافية سلم إهتمامات هذه المؤتمرات كركن أساسي للحكم الصالح.
ويتطلب الإصلاح الفعال للإدارة العامة ولعملية التنمية إلتزاماً سياسياً يجب أن يحظى بمساندة المجتمع المدني والقطاع الخاص. ويمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تقوم بدور هام في توفير الضوابط على سلطة الحكومة، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية في عملها، والمشاركة في صياغة السياسات العامة، وحماية الحقوق وتعزيز المشاركة في الشؤون العامة، وتقوية حكم القانون، إضافة الى دورها في رفع الوعي العام بموضوع الفساد ومحاربته، هذا على أن تكون مؤسسات المجتمع المدني من جهتها مؤسسات ديمقراطية منظمة إدارياً وقابلة للمساءلة من قبل الجمهور، وأمام اصحاب المصلحة في مختلف المؤسسات.
فمبدأ المساءلة والشفافية يعد الأساس لعلاقة سليمة ما بين الدولة والمجتمع المدني. فالدولة مسؤولة أمام مواطنيها وعليها تقديمُ البيانات والتقارير الموثوقة عن أعمالها. والمجتمع المدني مسؤول أمام الدولة وأمام هيئاته المرجعية. وأي نظام شامل للمساءلة يجب أن يتم تطبيقه من الطرفين، كأحد أهم مقومات الحكم الصالح وتعزيزاً لجهود محاربة الفساد.
ومع تبوء منظمات المجتمع المدني لدور متقدم في المجتمع خلال العقود الثلاثة الماضية بالتزامن مع تدفق التمويل الأجنبي لدعمها، أخذ موضوع مساءلة هذه المنظمات هو الأخر إهتماماً واسعاً على كافة المستويات. حيث صرنا نلاحظ الإهتمام المتزايد الذي توليه الدول المانحة والمنظمات الدولية لإعتماد مبدأ المساءلة والشفافية كشرط من الشروط الأساسية لدعم المنظمات المحلية والإقليمية، خاصة في ظل إزدياد عدد هذه المنظمات وما يصاحب ذلك من إشكالياتٍ مختلفة، إذ تعتقد هذه الدول والهيئات بأن هذا المبدأ كفيل بتطوير أداء تلك المنظمات وقطع دابر الفساد فيها.
وقد أشارت منظمة المساءلة الإنسانية التي تأسست عام 2003 ومقرها جنيف، في تقريرها الذي حمل عنوان "المساءلة الإنسانية عام 2008 " الى أن معظم المنظمات التي شملها (مشروع المساءلة الإنسانية) قد تحسن أداؤها وطريقة تنفيذ برامجها، إذ يقتضي المشروع بأن تسمح المنظمات الإنسانية ذات العلاقة بتدقيق حساباتها وتلبية معايير المساءلة، كالمشاركة الفعالة من قبل المستفدين في تقييم برامجها وأن يتحول مبدأ عمل هذه المنظمات من السعي الى إمتلاك الموارد، وفرض المساعدة على الناس، الى مبدأ خدمتهم ودعمهم وفق إحتياجاتهم. ومن اللافت للنظرهنا أن عدد المنظمات المشمولة بهذا المشروع قد عرفت تزايداً ملحوظاً مما يؤكد على نجاح البرنامج وجودته.
أما على الساحة العربية، فقد إزدادت الدعوات لتطبيق مبدأ المساءلة والشفافية من قبل منظمات المجتمع المدني ومراقبة الأداء فيها، مع تنامي عدد المنظمات غير الحكومية وتنوعها على مدى الثلاث عقود الماضية، وتوالي المبادرات في هذا الشأن، من مدونات لقواعد السلوك ومواثيق الشرف الأخلاقية وغيرها من المبادرات الأخرى.
وقد أثبتت نتائج الدراسات الميدانية الصادرة عن معهد السياسات العامة برام الله والشبكة العربية للمنظمات الأهلية المتعلقة بواقع الحاكمية في المجتمع المدني في المنطقة العربية، أن هذا القطاع يشكو بدوره وفي أحيان كثيرة، من محدوديةٍ في ممارسة مفهوم المساءلة وقصورٍ واضحٍ في الشفافية وضعف في ثقافة الرقابة والمشاركة الشعبية، سواء تعلق الأمر بالجوانب المالية للإدارة أو بنتائج البرامج المنفذه، وعلى سبيل المثال: عدم الرغبة في الإفصاح والكشف عن الميزانية وحجم الإنفاق والتمويل الخارجي. وهو ما يؤثر سلباً على فاعليتها وتأثيرها على الواقع المجتمعي من ناحية ، وعلى مصداقيتها لدى الحكومات والمموليين والرأي العام من ناحية أخرى.
وتشير هذه الدراسات الى الترابط والتفاعل الواضح بين النسق الثقافي والإجتماعي والسياسي العام المهيمن في المنطقة العربية، وبين ثقافة اللامساءلة في المجتمع المدني.
هذا ويطرح موضوع مساءلة منظمات المجتمع المدني مجموعة من الإشكاليات منها تحديد الجهات المخولة بمساءلتها ومحاسبتها وبالتالي الإطار القانوني التي تعمل في ظله هذه المنظمات وكذلك الضوابط الشرعية التي تحكم هذه العملية.
وهنا لا بد من الإشارة الى أن التشريعات العربية المنظمة للقطاع الأهلي والمعمول بها حاليأً في أغلب دول المنطقة، تفرض رقابةً كبيرةً على المنظمات غير الحكومية تتعدى في كثير من الأحيان مفهوم المساءلة المتعارف عليه.
فمع الإقرار بضرورة المساءلة الخارجية ومراقبة أداء عمل منظمات المجتمع المدني من قبل الحكومة والمستفيدين والمجتمع المحلي والممولين، إلا أن ذلك يجب أن يتم في إطار نصوص قانونية واضحة المعالم، تحترم إستقلالية منظمات المجتمع المدني وطبيعتها، وبشرط أن تكون هذه التشريعات حافزأً لعمل هذه المنظمات ولترويج ثقافة المساءلة والشفافية وليس أداة لوضع العراقيل أمامها والحد من تطورها.
حضرات السيدات والسادة
إننا في مؤسسة المستقبل نؤمن بالدور الناشط الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني في مجال تعزيز الشفافية وإشاعة روح المساءلة في المجتمع. وحتى تستطيع هذه المنظمات تأدية دورها بكفاءة عالية، يفترض بها أن تتحلى بدرجة كبيرة من النزاهة والشفافية في بناءها الداخلي ومنهاج عملها.
ويأتي أنعقاد هذا اللقاء العلمي إنسجاماً مع هذه الرؤية وضمن توجه المؤسسة الرامي الى إعتماد الشفافية والمساءلة وضمان الجودة، كمنهج عمل لتقديم الدعم المادي والفني، الذي تعبرُ عنه حزمة البرامج المتكاملة التي تكفلها المؤسسة لمساعدة منظمات المجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتكمن أهمية هذا اللقاء في تسليط الضوء وإثارة النقاش حول مبادئ الحكم الصالح داخل جمعيات العمل الأهلي وهيئاتها. كما يتوقع أن يتيح المجال لتبادل الخبرات والتجارب وأفضل الممارسات في هذا الشأن من أجل تطوير أدوات المساءلة بحيث تسمح للشركاء وللفئات المستفيدة بالحصول على المعلومات والمعرفة وتطوير نوعية الخدمات المقدمة لها.
أيها الحفل الكريم
مع إستكمال مؤسسة المستقبل لحوالي ثلاثة أعوام على إنشاءها، وإنطلاقاً من تجربتها الغنية "رغم قصرها"، في دعم مؤسسات المجتمع المدني، تشكلت لدينا القناعة بضرورة تبني اسلوب أكثر شمولية وفاعلية في العمل مع تلك المؤسسات توخياً لأحداث التغيير المطلوب. فإلى جانب تقديم المنح كنشاط أساسي، إرتأينا إضافة تدريب كوادر ونشطاء مؤسسات المجتمع المدني لبناء قدراتهم في مختلف المجالات كآليةٍ جديدةٍ ، بالإضافة الى إجراء البحوث التطبيقية كرديف ثالث يضمن فهماً افضل لخريطة المجتمع المدني بكافة أبعاده، من حيث السمات والمخاطر والتحديات.
وتعتمد مؤسسة المستقبل في أداء مهامها على مجموعة من الدول والجهات المانحة منها الولايات المتحدة الأمريكية وثمان دول أوروبية إضافة الى الأردن، وهي البلد العربي الوحيد في هذا المجال.
وقد تمكنت المؤسسة وفي غضون هذه الفترة القصيرة نسبياً من تحقيق تقدم ملحوظ في تعبئة قطاع المجتمع المدني ودعم مبادراته وإعلاء صوته. فلغاية هذا التاريخ، تسلمت المؤسسة أكثر من 400 طلب تمويل لدعم مشاريع أهلية في مختلف دول المنطقة. ومن مجموع ما تقدم تمت الموافقة على تمويل 80 مشروعاً لفائدة منظمات المجتمع المدني بمبلغ إجمالي يقارب خمسة عشر مليون دولار أمريكي (15$).
وفي هذ السياق تقوم المؤسسة بتمويل عدد من المشاريع ذات صلة وثيقة بموضوع المساءلة في كل من الأردن ومصر والمغرب والبحرين والكويت واليمن وفلسطين، لبث قيم النزاهة والشفافية كمتطلبات أساسية لبناء نظام متطور من الحكم الصالح.
حضرات السيدات والسادة
وفي الختام أتمنى أن يسهم هذا اللقاء في تعميق وعي وإدراك القائمين على مؤسسات المجتمع المدني بأهمية الشفافية والمساءلة وتأثيرها الإيجابي على الأداء والفاعلية، والرفع من قدراتها على الإمتثال بهذه المبادئ. وهو ما من شأنه أن يعمق الثقة بالدور البناء والمحوري للمجتمع المدني في إرساء دولة القانون لدى جميع الأطراف .
مع أمنياتي لكم بالتوفيق والنجاح.....